ابن عربي

409

مجموعه رسائل ابن عربي

يذكرني » « 1 » . ولا يزال العبد يذكر اللّه ، وذكره له يبعده من شهود نفسه ونسبتها ، ويقربه من شهود توحيد ربه ، حتى ينكشف حجاب ذكر اللّه له ، ويتجلى له سبحة ذكر اللّه له ، هنالك تحرق سبحته بسبب نسب الأفعال والأذكار للعبد ، وتظهر نسبتها للرب ، كما ثبتت في الصحيح : « ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها » « 2 » . تنبيه : قوله : « لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » اعلم أن بصره تعالى لا تتناهى مبصراته ، ولا يحجبه عن خلقه حجاب ، وإنما ينكشف لك معنى الحديث بمراجعة ما قررته لك ، وبقوله ( ص ) : « الاحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 3 » فنبه - بالشرط - على أن العبد لا يشهد رؤية اللّه له حتى يغيب عن صفته ورؤيته ومراقبته لربه ، فكل عبادة تصحبها المراقبة ، فهي نور من حجب وجهه سبحانه ، ينظر العبد منه إلى ربه ، وينظر اللّه منه إلى عبده « 4 » فإذا كشف للعبد فيها حجاب المراقبة : شهد رؤية اللّه سبحانه له ، فانتهاء بصره عبارة عن انتهائه بحسب كشف العبد . وشهوده ، لا بحسبه في نفسه ، فإنه لا انتهاء له ، وخلقه هو صفة العبد ، ورؤيته وإحراقه ، هو : محوه بثبوت صفة الرب ورؤيته للعبد ، وصفة الرب ورؤيته هي : سبحة كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ . إشارة : أورد محمد بن علي الأصفهاني « 5 » عن مجنون ليلى في محاومة هذا المعنى ، ببيتين : رأى ليلى : فأعرض عن سواها * محب : لا يرى حسنا سواها « 6 »

--> ( 1 ) رواه البخاري ا ه مخيون . ( 2 ) رواه البخاري . ( 3 ) قطعة من حديث في صحيح البخاري « كتاب الإيمان » ، ا ه مخيون . ( 4 ) لعل معناه حديث مسلم : « ان اللّه لا ينظر إلى أجسامكم ، ولا إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم » ، ا ه مخيون . ( 5 ) أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأموي ، صاحب كتاب الأغاني المشهور بأبي الفرج الأصفهاني ، توفي سنة 356 ، ا ه مخيون . ( 6 ) البيتان في الأغاني بآخر ترجمة المجنون ، ولكن الشطرة الأولى هكذا : بكى فرحا ليلى إذ رآها * محب . . . الخ ، ا ه مخيون